اسماعيل بن محمد القونوي

98

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الآيتين أما الأولى فهو أن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وأشار إلى البرهان عليها بقوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [ البقرة : 28 ] فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بذاتها وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير ) أن صحة الحشر أي حشر الأجساد وإنما احتاج إلى بيان إمكان الحشر بدليل عقلي مؤيد بدليل نقلي لأنه لو لم يكن ممكنا لاحتيج إلى تأويل النصوص الناطقة بوقوعه كالآيات المشعرة بالجسمية والمكان وغير ذلك مما يستحيل اتصافه تعالى به فلا بد من بيان إمكانه أولا وعن هذا تصدى لبيانه فقال واعلم الخ . والمراد بالمقدمات ما يتوقف عليها صحة الحشر وإنما عبر بها لأنها تكون جزء برهان حين رتب الدليل على قانون الميزان وقد برهن عليها في الخ أي أشير إلى البرهان عليها إذ الغرض المسوق له بيان النعمة كما أشار إليها بقوله في أول هذه الآية بيان نعمة أخرى مترتبة على الأولى قوله للجمع أي الاجتماع على أن يكون الجمع مصدر مبني للمفعول قوله وأشار إلى البرهان الخ . دليل على ما ذكرناه من أن المراد بقوله وقد برهن وقد أشير إليه قوله بقوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [ البقرة : 28 ] أما دلالته على أنها قابلة للاجتماع فلأن المراد بكونهم أمواتا كونهم عناصر وأغذية متفرقة مجمتمعة وبهذا البيان ظهر حسن تعرضه فيما سلف كونهم عناصر وأغذية وأخلاطا وما عداها من النطف الخ . غير متفرقة ولما كان مواد الأبدان القابلة للجمع والحياة الثانية متحول منقلبة من المواد التي قبلت للجمع والحياة الأولى فهي عين تلك المواد فلا إشكال وأما دلالته على أنها قابلة للحياة الثانية فظاهر وإلى ما ذكرناه من التفصيل أشار طاب اللّه ثراه بقوله فإن تعاقب الافتراق الخ . قوله والاجتماع دليل على تفسيرنا الجمع فيما مر وعلى قدرة المعيد على ذلك وعلى علمه بالأجزاء المتفتتة للمعاد المتفرقة كل منها إلى مكان سحيق المختلطة بغيرها من أجزاء الأجسام الأخر بحيث لا يكاد يتميز بعضها عن بعض بالنسبة إلى العلم البشري فأشار إلى المقدمة الأولى وهي قابلية المحل بقوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [ البقرة : 28 ] وإلى الثانية بذلك وبقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ البقرة : 29 ] وإلى الثالثة بذلك الفعل المتقن وبقوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 29 ] قوله وأشار إلى وجه اثباتهما أي إلى وجه اثبات قدرته تعالى على ذلك وعلمه أما الأول فإنه قادر على ابدائهم المدلول بقوله : فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] وإبداء ما هو أعظم خلقا وأعظم صنعا بقوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ البقرة : 29 ] الآية ليستدل بذلك على أنه تعالى أقدر على إعادتهم وإحيائهم ثانيا لأن جمع الأجزاء الموجودة أهون من الايجاد من عدم صرف عند عقولنا وإلا فهما أي الابداء والإعادة بالنسبة إلى قدرة الصانع تعالى على السوية لا تفاوت بينهما فالتفضيل المستفاد من قوله أقدر على إعادتهم إنما هو بالنسبة إلى العقول البشرية لا بمعنى أن الإعادة أهون وأيسر من الابداء بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى وأما الثاني فإنه تعالى خلق ما خلق خلقا محكما مراعى فيه مصالحهم فإن مثل هذا الخلق الكامل يدل على كمال علم الخالق وبالغ حكمته فيعلم تلك الأجزاء المتفرقة ويعلم أن أي جزء لأي شخص فيجمعها بقدرته النافذة ويجعلها شخصا كما كان .